لواء خيرت لـ " مصر " ":من غزة إلى هرمز : كيف تغيرت المنطقة بعد ٧ أكتوبر
قال اللواء عبد الحميد خيرت وكيل جهاز الامن الوطني السابق في تصريح ل " مصر الآن "لم يكن السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ مجرد تاريخ عابر في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل كان لحظة فاصلة أعادت تشكيل المشهد السياسي والعسكري في الشرق الأوسط بأكمله. فمنذ عملية “طوفان الأقصى”، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد، تجاوزت حدود قطاع غزة لتفتح أبوابًا واسعة على احتمالات إعادة رسم الخرائط، وتغيير موازين القوى، وكشف مشاريع كانت تتحرك في الظل لسنوات طويلة.
في ذلك اليوم، اندلعت المواجهة الأكبر بين حماس وإسرائيل منذ عقود، لترد إسرائيل بحرب مدمرة على قطاع غزة، تحولت سريعًا إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في العصر الحديث. آلاف الضحايا، دمار هائل، انهيار للبنية التحتية، وحصار خانق جعل غزة تعيش كارثة إنسانية غير مسبوقة. ومع استمرار الحرب، بدا واضحًا أن ما يحدث لم يكن مجرد رد عسكري محدود، بل مشروعًا واسعًا لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بالكامل.
وأضاف خيرت إنه وفي خلال الشهور التالية، ظهرت مخاوف حقيقية من محاولات دفع سكان غزة نحو الهجرة القسرية إلى سيناء، تحت ضغط القصف والتجويع وانعدام مقومات الحياة. وهنا برز الموقف المصري كأحد أهم العوامل التي أوقفت هذا السيناريو، بعدما أعلنت القاهرة بشكل واضح رفضها الكامل لأي تهجير للفلسطينيين خارج أراضيهم، معتبرة أن تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأراضي المصرية تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري والعربي.
لكن تأثير ٧ أكتوبر لم يتوقف عند حدود غزة. فالحرب سرعان ما امتدت سياسيًا وعسكريًا إلى ساحات أخرى. في سوريا، استغلت إسرائيل حالة الانهيار الإقليمي لتوسيع نفوذها العسكري في الجنوب السوري، وتعزيز سيطرتها على الجولان المحتل، وسط صمت دولي وعربي لافت. وفي لبنان، تصاعدت المواجهات على الحدود الجنوبية بصورة غير مسبوقة، ما أعاد الحديث عن احتمالات فرض واقع أمني جديد في الجنوب اللبناني.
وقال أما إيران، فقد أصبحت طرفًا أساسيًا في معادلة ما بعد ٧ أكتوبر، سواء عبر دعم حلفائها في المنطقة أو من خلال المواجهة غير المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة. ومع اتساع دائرة التوتر، دخلت دول الخليج مرحلة شديدة الحساسية، خاصة مع تصاعد المخاوف من تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة قد تهدد أمن الطاقة العالمي، وتضع مضيق هرمز في قلب الصراع العسكري.
ومع كل تصعيد جديد، بدأت ملامح مشروع “الشرق الأوسط الجديد” تظهر بصورة أوضح. فالحرب لم تعد فقط حربًا على غزة، بل أصبحت أداة لإعادة ترتيب المنطقة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. تحالفات جديدة تتشكل، وأخرى تتراجع، بينما تتزايد التدخلات الدولية في شؤون المنطقة تحت عناوين الأمن والاستقرار ومحاربة الإرهاب.
وأشار إلى أنه وفي خضم هذه التحولات، بدا الموقف العربي الرسمي عاجزًا عن التأثير الحقيقي في مسار الأحداث. اكتفت بعض الدول ببيانات الإدانة والدعوات الدبلوماسية، بينما شعر الشارع العربي بحالة من الإحباط والغضب تجاه ما اعتبره صمتًا أو ضعفًا أمام حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون.
لقد كشف ٧ أكتوبر هشاشة النظام الإقليمي العربي، وأعاد طرح أسئلة قديمة حول مستقبل القضية الفلسطينية، وحدود النفوذ الإسرائيلي، ودور القوى الكبرى في إعادة تشكيل الشرق الأوسط. كما أكد أن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد ملف سياسي، بل أصبحت محورًا ترتبط به خرائط النفوذ والطاقة والتحالفات العسكرية في المنطقة بأسرها.
وأوضح أنه وربما يكون أخطر ما في هذا التاريخ أنه فتح الباب أمام مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، حيث لم تعد الحروب تُخاض فقط بالسلاح، بل أيضًا بالحصار الاقتصادي، والتغيير الديموغرافي، والتحكم في مصادر الطاقة والممرات البحرية، وإعادة رسم التوازنات الإقليمية.
بعد سنوات من ٧ أكتوبر، لا تزال المنطقة تدفع ثمن تلك اللحظة. غزة ما زالت تنزف، والقضية الفلسطينية تواجه أخطر مراحلها، بينما يعيش الشرق الأوسط على إيقاع صراع مفتوح لا تبدو له نهاية قريبة. وبينما تختلف المواقف السياسية حول أسباب ما جرى ونتائجه، يبقى المؤكد أن هذا التاريخ سيظل نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة العربية الحديث، بما حمله من مآسٍ وتحولات، وما كشفه من صراعات ومشاريع كانت تنتظر لحظة الانفجار .






